معاريف:اللواء (احتياط) يتسحاق بريك
إن الهجوم الأخير الذي شنته الأجهزة السياسية على رئيس الأركان، إيال زامير ، بعد تحذيره مجلس الوزراء من أن الجيش على وشك الانهيار بسبب نقص المقاتلين، ليس حادثة معزولة، بل هو عرض لمرض أعمق بكثير: تغليب البقاء السياسي على أمن دولة إسرائيل.
الحقيقة المهنية في مواجهة التضليل السياسي.
ليس من مهام رئيس الأركان إرضاء الوزراء، بل تقديم صورة دقيقة للوضع على طاولة مجلس الوزراء. عندما يحذر زمير من أن نقص القوى العاملة سيؤدي إلى خسائر فادحة، فإنه لا يُظهر روح الاستسلام، بل يؤدي واجبه الأخلاقي والمهني. والحقيقة المُرّة هي أن الجيش ينهار بالفعل على نفسه لأن الحكومة ترفض اتخاذ قرارات صعبة: تمديد الخدمة الإلزامية، وتعبئة عامة الشعب الحريدي على قدم المساواة، ومعالجة نظام الاحتياط الدموي بجدية.
بدلاً من الاستجابة للتحذير، اختارت القيادة السياسية تكتيكها المعتاد: الهجوم المباشر. إن اتهام رئيس الأركان له بأن كلماته تُضعف إسرائيل في مواجهة أعدائها ليس فقط ظلماً له، بل هو أيضاً تحويلٌ مُتعمّدٌ للنقاش من فشل الحكومة إلى الشخص الذي كان من المفترض أن يحمل البشارة.
الفشل الاستراتيجي والوهم التكتيكي: بعد عامين ونصف من القتال، يمكن لإسرائيل أن تتباهى بانتصارات تكتيكية مبهرة، لكنها فشلت فشلاً ذريعاً على المستوى الاستراتيجي. لا تزال أهداف الحرب بعيدة المنال، وتقع مسؤولية ذلك بالدرجة الأولى على عاتق القائد الأعلى للجيش، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، ووزراء حكومته. إن محاولة تحميل الجيش وحده مسؤولية الفشل، منذ السابع من أكتوبر وحتى الآن، ليست سوى تحريف للرأي العام. صحيح أن الجيش ينفذ المهام الموكلة إليه، لكن بدون سياسة واضحة، وقوانين تجنيد واقعية، ورؤية استراتيجية، ورؤية للمستقبل، تصبح الانتصارات الميدانية بلا معنى. الدولة في خدمة البقاء: تشير قائمة الأنظمة المتهالكة في ظل الحكومة الحالية، والتي تشمل العديد من المجالات مثل تعزيز الصمود الوطني، والتعليم، وعجز الموازنة، والنقل، وصولاً إلى العلاقات الدولية، إلى خلل في ترتيب الأولويات. عندما يُنظر إلى كل اعتبار أمني من منظور تماسك التحالف، يصبح الأمن القومي رهينة لذلك.
سأتناول بالتفصيل مسألة انهيار الاستقرار الوطني: فانهيار الاستقرار الوطني يمس أعمق نقطة ضعف في المجتمع الإسرائيلي اليوم. لا تُقاس المرونة الوطنية بعدد الطائرات أو الدبابات، بل بقدرة المجتمع على الصمود أمام الصدمات المتواصلة، والتعافي منها، والحفاظ على التماسك الداخلي والثقة في الأنظمة الحاكمة.
فيما يلي تحليل لمكونات هذا الانهيار.
انهيار الثقة بين الشعب والقيادة: أساس الصمود الوطني هو "العقد غير المكتوب" بين المواطن والدولة: يخدم المواطن، ويدفع الضرائب، ويخاطر بحياته، وفي المقابل تضمن الدولة أمنه وتتصرف بناءً على اعتبارات عملية. عندما يرى الشعب أن القرارات المصيرية، كقوانين التجنيد الإجباري أو تمديد خدمة الاحتياط، تُتخذ على أساس بقاء الائتلاف لا على أساس الحاجة العملياتية المُلحة، يُنتهك هذا العقد. الشعور بأن هناك من يتحمل العبء ومن يُعفى منه يُضعف الحافز ويُولد شعورًا بالخيانة.
الاستقطاب المتعمد كأداة سياسية: يُعدّ استخدام خطاب "نحن وهم" جزءًا لا يتجزأ من انهيار الصمود. إنّ الهجمات التي شنّها الوزراء وأعضاء الائتلاف على رئيس الأركان والقيادة العليا للجيش الإسرائيلي ليست مجرد انتحال مهني، بل هي جزء من حملة تهدف إلى تصوير قادة الجيش على أنهم "نخبة" أو "مهزومون" من أجل إبعاد المسؤولية عن الإخفاقات عن المستوى السياسي. عندما يصبح الجيش، وهو آخر هيئة توافقية، هدفًا لانتقادات سياسية لاذعة، ينهار النسيج الاجتماعي لإسرائيل.
تآكل نظام الاحتياط والجبهة الداخلية: بعد عامين ونصف من القتال، يُختبر صمود الأمة بصمود "جيل الاحتياط". ويتجلى هذا الانهيار على ثلاثة مستويات:
- الأسرة: آلاف الأسر التي تعاني من وطأة الأعباء العاطفية والمالية لا تعمل؛
- العمل: لحقت أضرار جسيمة بالمشاريع الصغيرة والمسارات المهنية في الجيش؛
- الصحة النفسية: حالات ما بعد الصدمة والإرهاق النفسي التي لا تجد استجابة حكومية كافية. عندما تتجاهل الدولة هذا العبء وتستمر في فرض المزيد والمزيد من الأعباء على هذه الفئة الصغيرة، ينهار هذا الصمود ببساطة.
إن غياب الأمل وانعدام الرؤية الاستراتيجية يُعيق قدرة المجتمع على تحمل المعاناة والحرب على المدى الطويل، شريطة إيمانه بوجود هدف نهائي و"نور في نهاية النفق". وينبع الانهيار الحالي من غياب "يوم ما بعد الحرب" وسياسة واضحة. فبدون رؤية استراتيجية، يشعر الناس بأنهم في "حرب دائمة" تخدم مصالح سياسية، مما يؤدي إلى اليأس، وهجرة الكفاءات إلى الخارج (هجرة العقول)، وشعور عام بالضعف.
انهيار الضمان المتبادل: إن إهمال احتياجات النازحين في الشمال والجنوب لفترة طويلة، إلى جانب تجاهل عودة المختطفين لأسباب سياسية، قد أضر بجوهر الضمان المتبادل الإسرائيلي. فعندما يشعر المرء بأن الدولة قد تتخلى عنه في لحظة الحقيقة، تتلاشى قدرته على مقاومة النزعة القومية.
ملخص: يُعدّ انهيار الصمود الوطني أخطر أنواع الانهيار، لأنه ينبع من الداخل. يمكن إعادة بناء الجيش بالميزانيات والمعدات، لكن فقدان الثقة وانهيار التماسك الاجتماعي يتطلبان أجيالاً من التعافي، وقيادة ترى مصلحة الوطن قبل أن ترى ذاتها.
خلاصة القول واضحة: انهيار الجيش هو انهيار الدولة. أولئك الذين يختارون مهاجمة رئيس الأركان لقوله الحقيقة في جلسات خاصة، يُفضّلون سلامهم السياسي على سلامة مواطني إسرائيل. لقد آن الأوان للقيادات السياسية أن تتوقف عن البحث عن مُلام وتبدأ بتحمّل المسؤولية، قبل أن يصبح الهاوية التي نتجه نحوها أمراً واقعاً لا مفر منه.